الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

369

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ما جرى ذكره أعني الجنة المذكورة في قوله : وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً [ الإنسان : 12 ] . وفعل رَأَيْتَ الأول منزل منزلة اللازم يدل على حصول الرؤية فقط لا تعلّقها بمرئي ، أي إذا وجهت نظرك ، و رَأَيْتَ الثاني جواب إِذا ، أي إذا فتحت عينك ترى نعيما . والتقييد ب إِذا أفاد معنى الشرطية فدل على أن رؤية النعيم لا تتخلف عن بصر المبصر هنالك فأفاد معنى : لا ترى إلّا نعيما ، أي بخلاف ما يرى في جهات الدنيا . وفي قوله : وَمُلْكاً كَبِيراً تشبيه بليغ ، أي مثل أحوال الملك الكبير المتنعّم ربه . وفائدة هذا التشبيه تقريب المشبه لمدارك العقول . والكبير مستعار للعظيم وهو زائد على النعيم بما فيه من رفعة وتذليل للمصاعب . [ 21 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 21 ] عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ( 21 ) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ . هذه الأشياء من شعار الملوك في عرف الناس زمانئذ ، فهذا مرتبط بقوله وَمُلْكاً كَبِيراً [ الإنسان : 20 ] . وقرأ نافع وحمزة وأبو جعفر عالِيَهُمْ بسكون الياء على أن الكلام جملة مستأنفة استئنافا بيانيا لجملة رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [ الإنسان : 20 ] ، ف عالِيَهُمْ مبتدأ و ثِيابُ سُندُسٍ فاعله سادّ مسدّ الخبر وقد عمل في فاعله وإن لم يكن معتمدا على نفي أو استفهام أو وصف ، وهي لغة خبير بنو لهب وتكون الجملة في موضع البيان لجملة : رَأَيْتَ نَعِيماً [ الإنسان : 20 ] . وقرأ بقية العشرة عالِيَهُمْ بفتح التحتية على أنه حال مفرد ل الْأَبْرارَ [ الإنسان : 5 ] ، أي تلك حالة أهل الملك الكبير . وإضافة ثِيابُ إلى سُندُسٍ بيانية مثل : خاتم ذهب ، وثوب خزّ ، أي منه . والسندس : الديباج الرقيق .